الشوكاني

302

فتح القدير

سورة الكهف الآية ( 79 - 82 ) قوله ( فانطلقا ) أي موسى والخضر على ساحل البحر يطلبان السفينة ، فمرت بهم سفينة فكلموهم أن يحملوهم فحملوهم ( حتى إذا ركبا في السفينة خرقها ) قيل قلع لوحا من ألواحها ، وقيل لوحين مما يلي الماء ، وقيل خرق جدار السفينة ليعيبها ولا يتسارع الغرق إلى أهلها ( قال ) موسى : ( أخرقتها لتغرق أهلها لقد جئت شيئا إمرا ) أي لقد أتيت أمرا عظيما ، يقال أمر الأمر إذا كبر ، والأمر الاسم منه . وقال أبو عبيدة : الأمر الداهية العظيمة وأنشد : * قد لقى الأقران منى نكرا * داهية دهيا وأمرا إمرا وقال القتيبي : الأمر العجب . وقال الأخفش : أمر أمره يأمر إذا اشتد ، والاسم الأمر . قرأ حمزة والكسائي ( ليغرق أهلها ) بالياء التحتية المفتوحة ، ورفع أهلها على أنه فاعل . وقرأ الباقون بالفوقية المضمومة ونصب أهلها على المفعولية ( قال ) أي الخضر ( ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا ) أذكره ما تقدم من قوله له سابقا ( إنك لن تستطيع معي صبرا ) ف ( قال ) له موسى ( لا تؤاخذني بما نسيت ) يحتمل أن تكون ما مصدرية ، أي لا تؤاخذني بنسياني أو موصولة أي لا تؤاخذني بالذي نسيته ، وهو قول الخضر - فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا - فالنسيان إما على حقيقته على تقدير أن موسى نسي ذلك ، أو بمعنى الترك على تقدير أنه لم ينس ما قاله له ، ولكنه ترك العمل به ( ولا ترهقني من أمري عسرا ) قال أبو زيد : أرهقته عسرا إذا كلفته ذلك : والمعنى عاملني باليسر لا بالعسر . وقرئ عسرا بضمتين ( فانطلقا حتى إذا لقيا غلاما فقتله ) أي الخضر ، ولفظ الغلام يتناول الشاب البالغ كما يتناول الصغير ، قيل كان الغلام يلعب مع الصبيان فاقتلع الخضر رأسه ( قال ) موسى ( أقتلت نفسا زاكية بغير نفس ) قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وأبو جعفر وأويس بألف بعد الزاي وتخفيف الياء اسم فاعل . وقرأ الباقون بتشديد الياء من دون ألف ، الزاكية : البريئة من الذنوب . قال أبو عمرو : الزاكية التي لم تذنب ، والزكية التي أذنبت ثم تابت . وقال الكسائي : الزاكية والزكية لغتان . وقال الفراء : الزاكية والزكية مثل القاسية والقسية ، ومعنى ( بغير نفس ) بغير قتل نفس محرمة حتى يكون قتل هذه قصاصا ( لقد جئت شيئا نكرا ) أي فظيعا منكرا لا يعرف في الشرع . قيل معناه أنكر من الأمر الأول لكون القتل لا يمكن تداركه ، بخلاف نزع اللوح من السفينة فإنه يمكن تداركه بإرجاعه ، وقيل النكر أقل من الأمر ، لأن قتل نفس واحدة أهون من إغراق أهل السفينة . قيل استبعد موسى أن يقتل نفسا بغير نفس ، ولم يتأول للخضر بأنه يحل القتل بأسباب أخر